المقريزي
135
المقفى الكبير
حتّى استمرّت على شزر مريرته * مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا فقام إليه رجل فقال : أصلح اللّه الأمير ، واللّه كأنّي أسمع الساعة قطريّا وهو يقول : « المهلّب كما قال لقيط الإياديّ » ، ثمّ أنشد هذا الشعر . فسرّ [ ثمّ قال : ] فدعوا هذه الأنفس فإنّها أسأل شيء إذا أعطيت وأمنع شيء إذا سئلت . فرحم اللّه امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما ، فخطامها طاعة اللّه ، وعطفها بزمامها عن معصية اللّه ، فإنّي رأيت الصبر عن محارم اللّه أيسر من الصبر على عذابه . وكان يقول : إنّ امرءا أتت عليه ساعة من عمره ، ولم يذكر فيها ربّه ، أو يستغفر من ذنبه ، أو يفكّر في معاده ، لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة . والحجّاج أوّل من أجرى في البحر السفن المقيّرة المسمرة غير المخرّزة والمرهونة « 1 » . وهو أوّل من اتّخذ المحامل ، وفيه يقول الراجز من أبيات : أوّل عبد عمل المحاملا * أخزاه ربّي عاجلا وآجلا وكتب يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة إلى الحجّاج : « وإنّ العدوّ نزل بعرعرة الخيل ، ونزلنا بالحضيض » ، فقال الحجّاج : ليس هذا من كلام يزيد ، فمن هنالك ؟ قال : يحيى بن يعمر « 2 » . فكتب إلى يزيد أن يشخصه . فلمّا قدم عليه قال له : أسمعتني ألحن ؟ قال : الأمير أفصح من ذلك . فأعاد عليه القول وأقسم ، فقال : نعم ، تجعل إنّ مكان أنّ . فقال له : ارحل عنّي ولا تجاورني ! ويروى عن محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني « 3 » ، قال : دفع إليّ الحجّاج أزادمرذ بن الهربذ أحد الدهاقين وأمرني أن أستخرج منه مالا وأغلظ عليه . فلمّا انطلقت به قال لي : يا محمّد ، إنّ لك شرفا ودينا ، وإنّي لا أعطي على القسر شيئا ، فاستأذني وارفق يبي . ( قال : ) فقلت : تؤدّي إليّ في أسبوع خمسمائة ألف . فبلغ ذلك الحجّاج فأعضبه وانتزعه من يدي ، ودفعه إلى رجل كان يتولّى له العذاب ، فدقّ رجليه ويديه ولم يعطهم شيئا . ( قال محمد بن المنتشر ) : فإنّي لأمرّ يوما في السوق ، وإذا صائح بي : « يا محمّد ! » فالتفتّ ، فإذا [ أنا ] به معرّضا على حمار ، مدققوق اليدين والرجلين . فخفت الحجّاج إن أتيته ، وتذمّمت منه فملت إليه فقال لي : إنّك وليت منّي ما ولي هؤلاء ، فأحسنت . وإنّهم صنعوا بي ما ترى ولم أعطهم شيئا . وههنا خمسمائة ألف عند فلان ، فخذها فهي لك . ( قال ) فقلت : ما كنت لآخذ منك على معروفي أجرا ، ولا لأرزأك على هذه الحال شيئا . قال : فأمّا إذ أتيت فاسمع أحدّثك : حدّثني بعض أهل دينك عن نبيّك صلّى اللّه عليه وسلم [ أنّه ] قال : إذا رضي اللّه عن قوم أمطرهم في وقته ، وجعل المال في سمحائهم ، واستعمل عليهم خيارهم . وإذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم ، وجعل المال عند
--> ( 1 ) لم نفهم المقصود بالمرهونة . ( 2 ) ليحيى بن يعمر خبر آخر مع الحجّاج في العقد 2 / 175 و 5 / 20 . ( 3 ) حاشية في الهامش : محمد بن المنتشر بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعيّ الكوفيّ : ابن أخي مسروق ( بن الأجدع ) . سمع عائشة . روى عنه ابنه إبراهيم في الغسل . والخبر في العقد 5 / 29 ، والوفيات 2 / 43 .